ابن الجوزي

203

زاد المسير في علم التفسير

ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ( 207 ) قوله [ تعالى ] : ( ومن الناس من يشري نفسه ) اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على خمسة أقوال : أحدها : أنها نزلت في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وهو معنى قول عمر وعلي عليهما السلام . والثاني : أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته ، وقد شرحنا القصة . وهذا قول ابن عباس والضحاك . والثالث : أنها نزلت في صهيب الرومي ، واختلفوا في قصته ، فروي أنه أقبل مهاجرا نحو النبي ، [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، فاتبعه نفر من قريش ، فنزل ، فانتثل كنانته ، وقال : قد علمتم أني من أرماكم بسهم ، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شئ ، فإن شئتم دللتكم على مالي . قالوا : فدلنا على مالك نخل عنك ، فعاهدهم على ذلك ، فنزلت فيه هذه الآية ، فلما رآه النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] قال : " ربح البيع أبا يحيى " ؟ وقرأ عليه القرآن . هذا قول سعيد بن المسيب ، وذكر نحوه أبو صالح عن ابن عباس ، وقال : إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق . وذكر مقاتل أنه قال للمشركين : أنا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو عليكم ، ولي عليكم حق لجواري فخذوا مالي غير راحلة ، واتركوني وديني ، فاشترط أن لا يمنع عن صلاة ولا هجرة ، فأقام ما شاء الله ، ثم ركب راحلته ، فأتى المدينة مهاجرا فلقيه أبو بكر ، فبشره وقال : نزلت فيك هذه الآية . وقال عكرمة : انها نزلت في صهيب ، وأبي ذر الغفاري ، فأما صهيب ، فأخذه أهله فافتدى بماله ، وأما أبو ذر ، فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجرا . والرابع : أنها نزلت في المجاهدين في سبيل الله ، قاله الحسن وابن زيد في آخرين . والخامس : أنها نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله حتى ظهروا ، هذا قول قتادة و " يشري " كلمة من الأضداد ، يقال : شرى ، بمعنى : باع ، وبمعنى : اشترى . فمعناها على قول من قال : نزلت في صهيب ، معنى ، يشتري . وعلى بقية الأقوال بمعنى : يبيع . يبيع .